‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قصة. إظهار كافة الرسائل

الثلاثاء، 14 سبتمبر 2010

فات الميعاد_الجزءالاخير_


مرت الايام والشهور والسنوات وسلوى غائبة حاضرة،حاضرة بعقلها وقلبها والسؤال عن طفلها وغائبة بجسدها وحضنها وقلبها وحنانها
كبر ابراهيم في جو هادئ جميل ملؤه الحب والوئام حفظ القران الكريم على يد الشيخ الجليل وانتقل الى المرحلة الابتدائية وكان دائما من المتفوقين
تميز ابراهيم بهدوئه وميوله للعزلة لكنه كان طيبا خدوما كلما عاد من المدرسة لا يتوانى عن مساعدة "ام أحمد" التي اثقلها المرض فكان لها ابراهيم نعم المعين ونعم الولد الصالح المطيع الذي لا يفلت فرصة في ارضاء والديه والبر بهما
تسلل الشباب خلسة الى جسد ابراهيم فتفرعت قسمات جسده وبروت ملامح الرجولة على محياه فارتفع طوله واشتد عوده
وكانت "ام احمد"كلما مر من أمامها صاحت"ماشاء الله،تبارك الله"
كان جميل المحيا أسود الشعر قمحي اللون كان الريف مرسوما على ملامحه
أصبح ابراهيم المعيل الوحيد للاسرة فالكبر قد اقعد الشيخ في البيت و"ام أحمد" ما تكاد تنهض من مكانها لتهيء الطعام وتعود للرقاد
لم يتتم ابراهيم تعليمه بل اشتغل ليعيل اسرته التي اعتبرها دائما ركيزته في الحياة لكنه لم يكن مرتاح النفس فكثيرا ما تسائل عن سبس تلقيب امه بأم أحمد رغم انه الولد الوحيد واسمه ابراهيم
وفي يوم ربيعي مزهر وبينما يراق اباه العجوز في فسحة يستنشق فيها الهواء العليل ويخفف عن جسده وطأة المرض الذي نخره كما ينخر السوس الخشب ، جمع ابراهيم شجاعته وطرح السؤال على ابيه لم يندهش هذا الاخير من استفسار أحمد بل جاوبه مباشرة وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة وأخبره انه لم يكن الابن الوحيد لهما بل سبقه اخوه احمد لكنه توفي بسبب الحمى في سن الثالثة ومن هنا جاء لقب والدتك
ارتاح احمد للجواب وكتفى به واغلق الباب على كل الاسئلة التي تدور في خلده
كان ابراهيم يستيقظ في الفجر يصلي وبعدها يتوجه الى عمله في مصنع الحديد والصلب في البلدة المجاورة وفي يوم وهو عائد من العمل
وجد حشد من الناس مجتمعين امام المنزل واخرون يدخلون ويخرجون هرول مسرعا واذا ببعضهم يتقاذفونه من حضن لاخر وهم يرددون "البقاء لله" "الدوام لله" "كل نفس ذائقة الموت"
تعابير وجمل تناثرت هنا وهناك لم يستوعب منها الا شيئا واحدا هو الموت
من مات ياترى؟ أهو والدي؟ام أمي؟
سؤال ظل رفيقه وهو يزيح عنه احضان الوافقين دفع باب الغرفة فوجد جتثين ممدتين على الارض ملتويتين في كفن ابيض ورائحة المسك والبخور تملأ الغرفة اقترب من الجتثين وسقط ارضا على ركبتيه وهو مصدوم "كيف يموتان معا؟ " كيف ينسحبان من حياتي دون سابق انذار"
اشئلة كثيرة تقاذفت الى رأسه لم ينقذه منها سوى يد خليفة ابيه في المسجد الذي الموضوعة على كتفه وهو يصبره على مصيبته ويوضح له ان الوفاة جاءت نتيجة اختناق بغاز القنينة التي نسيت ام أحمد اطفائها بعد ان انسكب الحليب عليها وظل الغاز متسربا في الغرفة حتى ملئها وغادرها يحمل روحين كانتا سندا لابراهيم
صرخ ابراهيم من هول الفاجعة صرخة اقشعرت لها أجساد الحاضرين
مر ما تبقى من اليوم سريعا وكسا السواد وجه السماء وجلس ابراهيم وحيدا في المنزل المكون من غرفتين ومع اذان الفجر كان ابراهيم خارج المنزل يحمل حقيبته ويغادر الى محطة القطار ليمتطي صهوة المجهول ويغادر الى وجهة لا يعلمها الا الله سبحانه وتعالى
وبعد يومين من مغادرته القرية جاءت شابة رفقة سيدة في اوائل الخمسينات من عمرها تسألان عن الشيخ الجليل الذي كان يسكن هذا البيت المغلق فأخبروا ان الشيخ وزوجته توفيا وابنهما الوحيد غادر القرية ولا احد يعرف الا اين
سقطت المرأة على الارض وهي تصرخ"تأخرت"


الجمعة، 10 سبتمبر 2010

فات الميعاد _الجزء الاول_




التفتت يمنة ويسرة تتأكد من أن لا احد يراقبها ولا احد يتبعها رغم صعوبة حدوث ذلك فالجو مليء بالغيوم وماطر والليل شديد السواد لا تستطيع حتى أن ترى عتبة المنزل الذي أمامها

هذا المنزل الذي بحثت عنه طويلا حتى عثرت عليه لتسلمه وتؤمنه على اغلي ما لديها

هذا المنزل الذي يساوي قطعة من لحمها استأصلتها بسكين مسنن ادمي أوصالها ومزق أحشائها

تعثرت في أطراف ملابسها وهي تنحني نحو الدرج لتضع ما تحمل بين يديها برفق شديد حطته على عتبة المنزل لكن بسرعة البرق عاودت حمله قبل أن يلامس الأرض وبدأت تبحث عن شيء تفرشه لما بين يديها فالعتبة مبتلة

دارت حول المنزل حتى وجدت قطعة حصير ملقاة تحت شجرة عسى كانت متكئا لشخص متعب

حملتها بإطراف أصابعها ورجعت إلى باب المنزل ففرشتها وقبلت ما تحمل بين ذراعيها وغرسته في حضنها وكأنها تتمنى لو استطاعت إدخاله إلى قلبها

وضعت ما بين يديها برفق شديد وأدارت ظهرها بسرعة شديدة وغادرت دون أن تلتفت وأسرعت في خطاها لكنها توقفت فجأة عندما سمعت صراخ الصغير يلاحقها بعد أن صعقته الأرض ببرودتها ولسعه فحيح الجو الماطر

فرجعت من حيث غادرت وهي لا تدري كم من الوقت استغرقت لفعل ذلك

حملته بين أحضانها وجرت مسرعة وكأنها تخشى أن تقيدها جدران البيت وتأخذ منها رضيعها الذي حل على الدنيا رغما عنها

رضيعها الذي كان اصله حبا مجنونا وتصرفا طائشا

رضيعها الذي جاء الى الدنيا جبرا وليس اختيار

ضمت اليها الرضيع وتابعت سيرها وذهنها شارد فارغ من الافكار

لم يتوقف الصغير عن الصراخ وكأنه يعاقبها على فعلتها الشنعاء فجلست على الرصيف واخرجت بيديها المرتجفتين ثديها الصغير الذي لم ترتسم عليه علامات الانوثة الكاملة واقحمت حلمته في ثغره المفتوح وتاهت في ضباب المجهول

لكن قطرات الحليب الذي تسربت الى صدرها بعد ان اكتفى الصغير من الاقتيات بها جعلها تستيقظ من من شرودها وتتابع سيرها وتدعو ربها ان يفرجها فقد خارت قواها وتوقف عقلها عن التفكير

اقترب الخيط الاسود ان يتميز عن الخيط الابيض وبدأت ملامح الصبح تكسو وجه السماء وهي مازالت تزحف في طريق لا نهاية لها

وقفت برهة قرب الجامع تنظرالى جمع من الناس يغادرونه

اتجه نحوها شيخ يشع الوقار من وجهه يسألها عن سبب تواجدها هنا في هذا الوقت المبكر رغم برودة الجو لم تستطع اجابته الا بدموع غزيرة انصبت من مقلتيها

رق قلب الشيخ لها وطلب ان تتبعه الى بيته

ترددت في فعل ذلك لكنها لم تجد بديلا لذلك

تبعت خطاالشيخ حتى وقف امام بيت طيني من طابق واحد فتحه وناد على صاحبته الملقبة "بأم احمد" فحضرت في حينها وطلب منها ان تكرم ضيفته وتحسن مقامها

دعتها "ام أحمد" للدخول ورجبت بها خير ترحيب

قضت سلوى اليوم كله غافلة عما يدور حولها فلم تشارك مضيفيها لا بالحديث ولا بالاستماع

لم تقدر "ام أحمد" ان تكبت فضولها اكثر من ذلك فبادرتها بالسؤال عما يكدر صفوها

ففهمت سلوى مقصدها وبدأت في سرد عذابها ولخصته في جمل بسيطة لكنها عميقة ودالة

روت من دون تفاصيل كيف ان ابن خالتها كان لها الاخ والصديق والحبيب وكيف انهما تقاربا حتى غرقا في بحر الممنوع مؤمنين بنهاية سعيدة لكن كلمة القدر كانت اقوى من سوط الجلاد والحكم الذي نطق به والدها كان بمثابة مشنقة قبضت روحها

فوالدها يرفض هذا الزواج لان الاقتران بالاقارب كلسعة العقارب غضب الحبيب من هذا الرفض وهاجر الى بلاد بعيدة وهو لا يدري انه خلف من ورائه حياة تعيش في احشاء حبيبته

انهت سلوى حكايتها والدموع تقيد نبرات صوتها ولا تجد راحة الا بتنهيدة تهرب من سجن الحزن الذي يعتقلها

قامت "ام أحمد" وضمتها لصدرها وطمأنتها وعرضت عليها ان تكون الأبنة التي لم تحضى بها وان تعيش معهما معززة مكرمة

لكن سلوى لم تحتج للتفكير فقد كان الرفض مسطرا على طرف لسانها لان والديها لا يعرفان بعد بالمشكل لان خالتها قد سترت عليها حتى انجبت وبالتالي هي لا تريد قهرهما برحيلها وهروبهما

ساد صمت غريب داخل الغرفة جمد الوجوه والتعابير

لكن صوت الشيخ كسر هذا الجمود باقتراح ارتاح له الكل الا قلب سلوى الذي ظل متعلقا برضيعها بعدما اودعته بين احضان" ام احمد" وغادرت وهي توصيهم به وتعدهم بالزيارة كلما سنحت لها الفرصة

رافقها الشيخ الى المحطة وودعها وهو يتمنى لها حظا طيبا ويطمئنها على فلذة كبدها


الأربعاء، 28 يوليو 2010

قهر الحياة _الاخيرة_


سئمت الانتظار كان ميعادي معه منذ شهر واخلف موعده الم يقل الاطباء ان المرض الخبيث قد نهش جسدي وحطم المناعة بداخلي لماذا تقاوم ايها الجسد اللعين ولماذا تتشبت بالحياة و هي لا تريديك على سطحها
سئمت الانتظار فأحبائي أرهقوا وأصدقائي تعبوا وحتى سريري مل مني فلما الانتظار لماذا خالف الموت موعده؟
هكذا قضت جيهان يومها تتألم من الالم ومن اليأس استفحل بداخلها بعد زيارة زوجها
يا لسخرية القدر لم يستطع صبرا حتى يواريها الثرى بل اسرع في البحث عن من تدفئ سريره وتثبث رجولتته وقد انسته غريزته حبه وعشقه وانسته وعوده واحلامه
تعبت جيهان من التفكير ومن الالم فألقت برأسها على الوسادة وأغمضت مقلتيها واحتضنت صورة ياسر ويسرى وغفت قليلا لترتاح لكن غفوتها طالت ولم يستطع الاطباء ايقاظها لا العلي القدير كان رحيما بها واسترجع امانته لبريحها من عذابها

الثلاثاء، 27 يوليو 2010

قهر الحياة 3


وقف الكلام بين شفتيها المغلقتين باحكام وكأنهما سجانان يمنعان هروبه
طأطـأ رأسه منتظرا جوابا يعلمه مسبقا لكن توقعاته خابت بعد ان نطقت بكلمة "مبروك" التي حطت رحالها على اذنيه باردة جامدة مينة فأخرج الاوراق من محفظته بتحفظ شديد وكأنه يتردد في فعل ذلك
لكن قبل ان توقع جيهان على الاوراق اقتحم الطبيب الغرفة طالبا خروجه من الغرفة بغية القيام بفحصها
بعد مرور نصف ساعة غادر الطبيب الغرفة فاستجمعت انفاسها منتظرة دخول زوجها لتتمم توقيع الاوراق التي تخول له الزواج من اخرى لكن انتظارها طال وطال وانتهى عندما اخبرتها الممرضة انه غادر المشفى

الثلاثاء، 20 يوليو 2010

قهر الحياة 2


قهر الحياة

احتل الصمت الغرفة برهة من الزمن قبل ان يتكسر بسؤالها عن أبنائها وعن سبب عدم قدومهم لزيارتها، حاول شريف ان يختلق العديد من الحجج التي اعتبرتها جيهان واهية،فاكتفت بالسؤال عن احوالهم واخبار دراستهم واكتفى هو بطمأنتها وكأنه يهيئها لشيء اخر عاد الصمت من جديد قويا متجبرا وأسدل رداءه على الغرفة لكن اصرار شريف على ان يلقي ما في جعبته جعله يترنح في الغرفة ذهابا وايابا فأدركت جيهان بحدسها ان هناك ما يقلق بال زوجها فحاولت سؤاله لكنه لم يترك لها الفرصة لذلك حيث ارتمى عند قدميها وزخات تسقط من عينيه كأنها قطرات مطر، وضعت يديها الذابلتين على رأسه وتحسست خصلات شعره الرمادي اللون وحاولت ان تهدئه بكلماتها ا لمعسولة لكنه انتفض على سلطة حنانها وصرح لها بكل وقاحة برغبته الاكيدة بالزواج سحبت يديها المرتجفتين من شعره وادارت وجهها هاربة من لقاء عينيه وأسدلت جفونها هاربة من الوحش الواقف امامها

قهر الحياة 1

قهر الحياة


فتحت عيناها على أشعة الشمس المتسربة لها من النافذة التي فتحتها الممرضة وهي تلقي تحيتها الصباحية والابتسامة تملئ محياها التفتت جيهان نحوها ببطئ شديد فقد انهكها الالم الذي غزا جسدها الجميل بعد ان قامت الممرضة بفحص نبضها وقياس حرارتها وطمئنتها غادرت الغرفة متمنية لها يوما سعيدا
ضحكت جيهان من هذه الكلمة بسخرية شديدة كيف تشعر بالسعادة و الموت يحيط بها من كل جانب
كانت حياتها عادية الى درجة الملل كمئات بل الاف النساء امثالها ،يدورون حول ناعورة الحياة فمرة يسقطون ارضا ومرة يتغلبون على الصعاب والايام تمر بين المنزل والعمل وهموم الاسرة والعائلة وتربية الاولاد لم تفكر يوما فيما تحب جيهان ولا ماذا تريد جيهان فقد كانت مؤمنة ان الدنيا قد انصفتها بالتعليم والزواج وياسر ويسرى فرحة عمرها لم تكن قطا متطلبة بل كانت ترضى بالقليل
تمايلت في فراشها محاولة الجلوس ،فقد سئمت الرقود على السرير وكأنها جثة تنتظر التفت
لم تعاني من اي مرض طيلة حياتها كانت لا تأبه لا بزكام ولا حمى ولا ولا ولا الا لكن القدر يخفي اشياء لم تكن في الحسبان انقطعت افكارها بدخول زوجها الى الغرفة وهو يحمل باقة نرجس ندية قبلها على جبينها ووضع النرجس في مزهرية وجلس الى جانبها دون ان يتلفظ بكلمة

يتبع

الخميس، 15 يوليو 2010

حليم4


كان حمدي طفلا وديعا محبوبا عند الجميع مطيعا يحترم معلميه كثيرا ما يلح على أبيه في حاجته لأخت أو أخ يؤنسان وحدته وغالبا ما يكون رد حليم ان الأمر يتعلق بجميلة أما هو فلا مانع لديه
مرت الأيام هانئة دافئة استأنست فيها جميلة بدور الزوجة والأم فأبدعت وأخلصت وظل حليم زوجا طيبا وأبا حنونا يخصص جل وقته للعب مع ابنه وكأنهما رفيقان من نفس العمر
في يوم صيف حار وبينما كان حمدي يمتطي ظهر أبيه شعر هذا الأخير بألم فظيع يشق أضلاعه ويمزق أحشائه حاول أن يكبح جماح الألم لكنه انقهر وسقط مغشيا عليه هرولت اليه جميلة محاولة انعاشه دون جدوى فهاتفت الاسعاف التي نقلته الى المشفى حيث تلقى حليم علاجه وحيث تلقت جميلة صفعة عمرها عندما أفصح لها الطبيب بأن الاغماء كان ناتجا عن أزمة قلبية حادة نجا منها بقدرة الله سبحانه وتعالى
لزم حليم المشفى شهرا كاملا استرجع خلاله شيئا من بريق عينيه ونضارة وجهه لكنه عندما عاد الى البيت لم يعد حليم النشيط الحركي بل عاد رجلا شاخ قبل الأوان وكأن الشهر أضاف لعمره عشرين سنة كل ملذات الحياة أصبحت محضورة عليه فاضطر للتقاعد قبل الأوان فكانت له ضربة قاضية حولته الى كهل ذابل مع كل يوم تخمد شعلة ابتسامته قيده الضعف والهون ونهش الهزال جسده الرقيق فأصبح أقرب الى هيكل عظمي
أصبحت جميلة لا تفارقه تعتني به اكثر من اعتنائها بحمدي لم تتعب لم تشتك بل دائما يراها في أبهى حلة مبتسمة راضية بحكم الله وقدره
توالت الشهور وانقضت السنة الأولى بطيئة حزينة واستقبلت جميلة سنة اخرى وهي كلها امل والم وهي ترى حبيبها فريسة للعلة تنهشه دون رحمة وتغزو جسده المهترء بتنوع الأمراض من ضغط دموي وسكري والائحة طويلة
كان المسكين يحاول دائما تقمص دور القوي المثابر يلبس أمام حبيبته قناع الصبر والتحدي حتى لا يقهرها بضعفه
في عيد ميلاد زواجهما السابع استيقظت جميلة وهي تدب بالنشاط وجنتاها متوردتان كزهرة الاقحوان اعتذرت عن العمل واصطحبت حمدي عند امها وفي نيتها قضاء اليوم بطوله منفردة بنصفها الثاني تسترجع معه ذكريات حبهما
عادت بسرعة الى المنزل دخلت الى المطبخ بهدوء حتى لا تقلق راحة حبيبها بخفة هيأت له الفطور وحملته اليه وهي تخفي هديتها وضعت الطعام جانبا وجلست على حافة السرير وقبلته على جبينه كما اعتادت لكنه لم يفتح عينيه فمررت أناملها بين خصلات شعره الكثيف لكنه لم يستجب نادته "
حليم ,حليم" أخذت كفه بين يديها وشدت عليه بقوة وهي تصرخ:"حليم حليم حليم"
أسرعت الى الهاتف وهاتفت الطبيب الذي لبى ندائها على وجه السرعة دخل الطبيب الغرفة وكأنه يقتحمها ومثلما دخل مسرعا غادرها مسرعا وهو ينعيها زوجها
مات حليم جملة تثاقلت شفتي جميلة على ترديدها :"
ليس اليوم يا عمري ليس اليوم..."
انقضى عمر حليم وانقضت قصة حبه لجميلة كان كحلم جميل في حياتها سرعان ما استيقظت منه بسرعة لكنه ظل محفورا في قلبها عاشت على ذكراه وفية لعهده عاشت الماضي في الحاضر فكان حمدي هو النافذة التي ترى من خلالها ماضيها



حليم3


أصبح حليم يصحبها يوميا للجامعة لم تطل خطبتهما فسرعان ما أقام حفلة عرس متواضعة ولم شملهما بيت واحد
كانت جميلة أسعد عروس وكان هو فرحا بعروسه كان يناديها صغيرتي لفارق السن بينهما الذي لم يكن له انعكاس سلبي على حياتهما
انهت جميلة دراستها واشتغلت في سلك التعليم حاولت قدر استطاعتها أن توفق بين عملها داخل وخارج البيت وساعدها في ذلك حليم فهو لم يكن متطلبا بل كان زوجا رحيما بها لكنه لم يستطع تجاهل رغبته في الأنجاب فأفصح عنها لحبيبته التي كانت طوع امره بل أبدت وصرحت عن رغبتها المماثلة
وكان الله رحيما بهما واستجاب لدعائهما وما هي الا شهور تسعة حتى علا صراخ حمدي في أرجاء المنزل يعلن قدومه للدنيا كان صبيا جميلا ذو وجه مستدير كالبدر كان نسخة مصغرة لحليم الذي الذي لم تسعه الأرض فرحا بجميلة وابنه
اضطرت جميلة أن تتخلى عن وظيفتها مؤقتا حتى تتمكن من تربية حمدي

حليم2


تسارعت عقارب الساعة وحلت ساعة اللقاء لم تعرف ماذا ترتدي؟ انقلبت خزانة ملابسها رأسا على عقب حتى اختارت ما يلائمها
جلست امامه وهي تمسك حقيبة يدها بشدة سألها بأدب:ـ"
ماذا تطلبين؟"
فأجابته بخجل:"
ليس لدي طلب معين سأشرب مثلك تماما"
انفجرت أساريره وهو يطلب من النادل احضار عصيري برتقال واستطرد قائلا:ـ
اعذريني كان بودي ان ادعوك خارج أسوار الجامعة لكن الخوف من رفض الدعوة حال دون ذلك ـ:
"
وهل الأمر خطير الى درجة مغادرة الحرم الجامعي؟"
ـ"
بالنسبة لي هو موضوع مهم وليس خطير "
ـ "
وما مدى أهميته؟"
ـ "لأته متعلق بحياتي"
ـ
وما دخلي أنا في حياتك؟"
ـ "لأكون صريحا وواضحا أنا أعرف أن الأعجاب بيننا متبادل لكنني لم اكتف بالاعجاب بل تطور الى حب فجافاني النوم ورافقني الوله والشوق"
ـ "لكن،لكننن"
ـ "دعيني أتمم حديثي أولا ولك بعد ذلك أن تتكلمي كما تريدين
أنا رجل مسؤول ولست مراهقا تتقادفه الأهواء والمشاعر كما أن لي أربع أخوات كان لي شرف تربيتهن وتزويجهن والحمد لله لذلك فقبل أن أدخل البيت من بابه ارتأيت أن أستشير صاحبة الشأن"
ـ "فاجأتني ولكن لن أدع الكبرياء يغلف الحقيقة أنا فعلا معجبة بك و كم تمنيت مثل هته الفرصة وأحمد الله أنك شخص ذو مبادئ وأنا أرحب بعرضك فحدد الوقت المناسب لزيارتنا لأحدد لك موعدا مع والدي"
ـ "الحمدلله أننا على نفس الدرب نسير سيكون يوم الجمعة أنسب يوم للحتفاء بخطوبتنا والأن سأودعك حتى لا نلفت الأنتباه أكثر ولقاءنا بعد صلاة عصر يوم الجمعة ان شاء الله"
مر الأسبوع سريعا وكأن يوم الجمعة في سباق مع الأيام ليحل سريعا وليلتها لم تتمكن من النوم ولم تحتج لمنبه ولا لنداء والدتها بل مع شروق الشمس كانت تتهيئ لصلاة ركعتين لربها تسأله خير ما في هذا اليوم
لم يكن النهار كافيا لها لقضاء أغراضها فسرعان ما تسارعت الساعات ليرن جرس البيت معلنا قدوم حبيبها
انكمشت كطفلة خائفة داخل غرفتها والرعشة لا تفارق جسدها لكن هذا لم يمنع فضولها ويكففها عن استغراق السمع بعد برهة وجيزة دخلت عليها أختها تبلغها طلب حضورها بأمر من والدها
لم تستطع رفع بصرها وهي بينهم بل لم تسمع ولا كلمة مما يقال أمامها سوى ما شاء الله التي تفوهت بها أم حليم عند دخولها
قام الجميع للتفاف حول مائدة الطعام وظلت هي وهو جالسان ينظران الى بعضهما الى أن نادهما الوالد يطلب قدومهما فهرولت مسرعة الى غرفتها بعد ان حاول حليم امساك يدها وهو يهمس في اذنها:"
أنا جد سعيد بك وبأسرتك يا حبيبتي"
وبينما هي مستلقية على سريرها سمعت الزغاريد فأدركت ان حلمها تحقق وان خطبتها على حليم أصبحت رسمية


حليم


ككل الفتيات كان لها حلم الزواج من شخص تحبه ويحبها تعيش معه قصة حب كالتي كانت تقرأها في قصص "عبير" التي كانت منتشرة بكثرة خلال مراهقتها
كانت فتاة عادية متوسطة الجمال تعيش حياة خيالية ترغب دائما في العزلة والوحدة ور
غم طبعها هذا الا أنها كانت محبوبة من طرف أصدقائها وأسرتها والمحيطين بها
جميلة كانت اسما وروحا صادقت الكتاب واستأنست بالموسيقى الهادفة عاشت حياتها في هدوء وسكينة الى أن شاءت الأقدار أن تلقاه
رجل في العقد الرابع من عمره وسيم الملامح جذابا بكل ما تحمله الكلمة من معنى
أسر فؤادها وامتلك عقلها لم يظهر عليه الأهتمام بها ولا الأكثراث لها
اذا رأته ترتجف أطرافها وتتلاحق أنفاسها
اعتادت أن تذهب الى مكتبة الجامعة زوال كل جمعة لكن منذ أن سكن قلبها أصبحت المكتبة ملاذها بعد كل محاضرة تجلس وبين يديها كتاب مفتوح لا تقرأ منه سوى العنوان أو السطر الأول من الصفحة الأولى وباقي الوقت ترمقه خلسة
كان دائما يرسم على شفتيه ابتسامة ساحرة سلبتها الحكمة والروية فارتسمت ملامح الحب على وجهها وكل من يراها يستشعر حبها له
في صباح يوم ممطر وبينما هي جالسة كعادتها تقرأ كتابا دون أن تقرئه جلس أمامها شخص فرفعت عينيها العسليتين ببطئ شديد فتجمدت نظراتها على الجالس أمامها
كان هو بشحمه ولحمه لم تستطع رد تحيته لكنه لم يكترث بل استدرك قائلا:"
ماذا تقرئين؟ّ"
نسيت حينها عنوان الكتاب نسيت أصلا أنها كانت تقرأ بل اكتفت بحصر نظراتها على وجهه الأبيض وعيناه السوداوتين لم تنطق سوى بتنهيدة طويلة سهلت له الطريق لمتابعة حديثه:"ـ أرى أن المكان لا يسمح بالتحدث طويلا لذا أرجو منك قبول دعوتي لشرب العصير في مشربة الجامعة"
كادت أن تأخذه من يديه وتصحبه الى هناك لكن حمدا لله أن عقلها مازال يتمتع ببعض الحكمة فتريثت قليلا وضربت له موعدا في الغد
ودعها وهو يقبض على كفها بقوة ظلت طيلة نهارها هائمة تمشي وكأنها لا تلامس الأرض
وعندما اشرقت شمس الغد المنتظر استيقظت كما نامت على كلمات اغنية ام كلثوم
"أغدا ألقاك يا خوف فؤادي من غد
يا لشوقي واحتراقي في انتظار الموعد"

دون عنوان الاخيرة



قضت نوال يومها وهي هائمة في دنيا بعيدة وكلما خاطبتها أختها تنظر اليها ولا تستطيع اجابتها وكأنها فقدت ملكة الكلام وأصبحت خرساء لا تستطيع البوح بما يجول في خاطرها ومر اليوم ثقيلا كئيبا وفجأة قفزت من مكانها وهي تنده أختها بأعلى صوتها فأسرعت هذه الأخيرة مهرولة: ـ ماذا بك ماالذي جرى؟
ـ لقد اتخدت قراري هيا بنا لجمع أغراض أمي سنصحبها الى المصحة غدا صباحا
ـ أتتكلمين بجد أفعلا اتخذت قرارك أنا لم أرغمك على شئ تذكري هذا جيدا
ـ أعرف جيدا ماذا أقول وأدرك عواقبه تماما ولكن ليس هناك حل أخر فالصواب هو أن تبقى أمي بين أيدي أمينه سأذهب الأن لأجلس بقربها قليلا فقد لا أجد مثل هذه الفرصة مرة أخرى
ـ لا تخشي شيئا يا أختي فهذا في مصلحتها
فتحت نوال باب الغرفة بحذر شديد خشية أن توقظ أمها من نومها لكن هذه الأخيرة فاجأتها عندما ندهتها باسمها وأصرت عليها أن تجلس بجانبها على حافة السرير امتثلت نوال لكلام أمها ولم تكتفي بالجلوس بل ارتمت بين أخضانها وهي تدرف دموعها في صمت
ـ ماذا فعلت هذه المرة يا نوال ألم تحصلي على نقط جيدة في مادة الرياضيات أم أنك تهورت وأجبت أجوبة خاطئة في امتحان الجغرافيا؟
لا تقلقي ياصغيرتي أنا أثق بقدراتك وأعرف أنك متسرعة وتفقدين السيطرة على أعصابك ولكنك في الحقيقة أنت طيبة ومسالمة ومتفوقة ولكن ينقصك التركيز
غرست نوال رأسها بين أضلع والدتها كي تخفي دموعها وتسجن نحيبها لكن حالها لم يدم فبسرعة البرق زحزحتها أمها وصرخت في وجها
ـ من أنت ماذا تريدين؟ أتحسبينني نائمة وجئت تسرقي عقدي ابتعدي ابتعدي
هربت نوال من الغرفة خائفة وهي تنده أختها لتقدم المساعدة لها وبعد وقت طويل من الصراخ والوعيد تمكنت الأخت من تهدئتها وتنويمها
لم تتمكن نوال من النوم تلك الليلة فقد صاحبها الأرق حتى صاح ديك الجيران معلنا اقتراب شروق الشمس تهيأت نوال لصلاة الصبح وتهيئ وجبة الفطور لوالدتها فحرصت على تقديم ما كانت تحب وتشتهي وعندما انتهت توجهت الى الغرفة وفتحت الباب بمهل شديد وأضاءت ضوء المصباح الخافت كي لا يزعج والدتها ووضعت الأكل على المائدة ثم جلست على جانب السرير وحركت أمها بلطف وهي تندها
ـ ماما ماما ماما اسيقظتي لقد هيأت لك عجة البيض التي تحبين
لم تستجب الأم لنداء نوال فعاودت الكرة مرة أخرى
ـحبيبتي هاهو عسل الزعتر الذي تفضليه استيقظي كي أقدمه لك على الخبز المحمص
لكن يبقى نداء نوال دون جدوى بدأ الهلع يدب الى نفس نوال فأزاحت الغطاء عن وجه أمها فوجدت فاقدا لحمرته المعهودة ثم حركتها من كتفيها لكن الأم لم تستجب أسقطت نوال جسم أمها من بين يديها على السرير وصرخت مدويةـ ممممممممامممممممممما
اقتحمت الأخت الغرفة وهي تتسائل
ـ مابك يا نوال؟ لما الصراخ؟ماذا.....
لم تستطع اتمام كلامها لأن المنظر هالها فأمها ملقاة على السرير دون حراك ونوال متخشبة بجانبها وعيناها جاحظتان وفاهها مفتوح
أمي أمي أجيبيني هيا تشجعي أمي هيا اسيقظي
التفتت الى نوال:ـ لا تخافي انه مجرد اغماء بسيط انها حالة قلما تصاب بها هيا نوال ناوليني قنينة الأكسجين الموجودة داخل الدولاب واتصلي بالطبيب سريعا ستجدي هاتفه على المفكرة أسرعي لا تقفي مثل المسمار الحالة حرجة ويجب أن تسرعي
طبقت نوال كلام أختها وهي لاتدري لا كيف ولا متى انتهت من ذالك ولكن ما وعت له أن أمها لم تستجب لضخات الأكسجين فتسمرت نوال في مكانها حتى وصل الدكتور ـ حمدي ـ الذي كان مشرفا على حالة الحاجة رقية فطلب من سعاد أن تصحب أختها الى خارج الغرفة وماهي الا دقائق قليلة حتى تبعهما وهو مذلل الرأس غائر العينين يدعك يديه في توتر شديد فوقف أمامهما وتمتم قائلا
ـ
الدوام لله فليسكنها فسيح جناته وليعوض معاناتها خيرا ان شاء الله تجلدا بالصبر فكلنا لها
ـ أأأأأأأأأأأأأأأأأااههههههههههه
أخر كلمة تلفظت بها نوال قبل أن تفقد وعيها معلنة رفضها للحقيقة والواقع ...........

دون عنوان 4


اتجهت نوال الى غرفة أمها وهي ترقص فرحا فوجدتها جالسة على كرسيها الهزاز وبيدها سبحتها تارة تسبح بها وتارة تضعها حول عنقها فحدقت في وجه نوال طويلا وفجأة صرخت في وجهها: ـ ألم تغيري ملابس المدرسة ؟ أسرعي فالوقت تأخر وحان وقت نومك وأنت لم تنجز فروضك
ارتمت نوال على أمها وحضنتها بقوة والدمع ينهمر من مقلتيها حاولت الكلام لكن صوتها تاه داخل صدرها ولولا دخول أختها الى الغرفة لانهارت تحت قدمي أمها
ـ أخرجي الأن يا نوال ودعيني أقدم لها الدواء لتسترخي وتهدأ
طاوعت نوال أختها وانسحبت من الغرفة وهي ترتجف خوفا ورهبة من الموقف التي عاشته
أين والدتها ؟أين رزانتها وقوة شخصيتها وعقلنيتها كل شيئ ضاع وكأن وحشا التهم روحها وتركها جسدا تسكنه أشباح مخيفة سقطت نوال أرضا وهي تصرخ:
ـ أمي ،أمي أريد أمي أريد الحاجة رقية أينك يا أمي
ـ ماذا دهاك يا نوال دعك من النحيب واصمتي ودعيها تستريح قليلا تعالي معي هيا
ـ أهذه هي أمي يا أختي ؟ أنا لا أصدق الحالة التي وصلت اليها أشعر بألم شديد في صدري وكأن ضلوعي تتهشم أه يا حبيبتي أهكذا تختميني حياتك
ـ يا نوال انه أمر الله فلا تكفري بالقدر وماذا كنت تظنين؟أبالغ في وصف حالتها أم أزيفها حتى أتخلص منها لا يا أختي فأنت لا تعرفين الا القليل القليل وحان الوقت لتعرفي الحقيقة كاملة ان حالة أمي خطيرة ولم أعد أستطيع السيطرة عليها بمفردي ولولا الحبوب المنومة لحدثت كارثة أتعلمين في الأسبوع الماضي بينما كنت داخل المطبخ سمعت جلبة على السطح فصعدت لأكتشف الأمر فوجدت أمي على حافة الدرج وعندما رأتني نهرتني وأمرتني أن أساعدها على نشر الغسيل وقد استجبت لها خشية أن تزل قدمها ويقع ما لا يحمد عقباة لقد أنهكني الخوف لا أستطيع أن أنام قريرة العين واذا غفوت برهة أقفز من نومي أتفقدها وأطمئن عليها والحالة كل يوم تتطور وجسمها لا يستجيب للعلاج
ـ كفاك يا أختي فأنا لا أستطيع سماع المزيد بربك أخبريني ما الحل؟
ـ الحل بين يديك يا نوال وافقي على اقتراحي ففيه خير لأمنا
ـ ولكن أنا لا أستطيع اصطحابها الى مكان كهذا
ـ انها نصيحة الطبيب هو من اقترحه وأشاد به واذا أردت أن تتفقدي المكان فلا بأس بذالك سأعطيك العنوان وزوريه عساك تقتنعين
ـ أوتحسبينني لا أثق بكلامك حاشى لله يا حبيبتي ولكني مترددة
ـ المهم أنا لا أجبرك على شيئ فهذه الخطوة تحتاج لموافقتنا نحن الأثنتين سأتركك الأن وأذهب لتسخين الأكل فقد هيأت طبقا تحبينه ان كنت مازلت تعشقين الكسكس
ـ أعشقه من يديك يا حلوتي الصغيرة

دون عنوان


بعد أن أنهت نوال مكالمتها أحست براحة نفسية عميقة ساعدتها على قضاء ليلة خالية من الكوابيس وفي صباح اليوم التالي استيقظت وهي تدندن بأحلى بيتين تغنت بهما كوكب الشرق :صالحت بك أيامي...سامحت بيك الزمن
هيأت نوال حقيبة سفر صغير وألقت نظرة أخيرة على شقتها قبل أن تحكم اغلاق بابها
لم تكتفي نوال بالقاء التحية على بواب العمارة بل تبادلت معه الحديث لتخبره بأنها ستغيب لبضعة أيام وترجوه أن يحتفظ ببريدها الى حين عودتها
غادرت البناية وهي تحس بحيوية لم تعهدها من قبل أخفت يدها اليمنى داخل جيب معطفها المفتوح وأحكمت قبضة يدها اليسرى على حقيبتها وتابعت سيرها غير أهبة بالريح التي تراقص خصلات شعرها المتناثرة على أكتافها وبعد أن هامت وسط الشوارع المزدحمة قرابة الساعة توقفت أمام منزل كبير دوبابين خشبيين أدخلت نوال كمية من الهواء وكأنها تستعد لشيئ جلل قرعت الجرس وماهي الا ثوان حتى فتحت احدى أبواب المنزل فأطل رأس أختها وهي تسأل : ـ من الطارق؟
فألقت نوال بجسدها داخل المنزل وهي تضم أختها بين ذراعيها وكأنها تراها بعد طول غياب
وقفت برهة تتأمل فناء المنزل الذي غادرته منذ عقد من الزمن لم تجب عن تساؤلات شقيقتها لانها لم تسمعها فقد كانت هائمة وسط ذكريات الطفولة الذي ينبض بها كل ركن من أركان هذا الفناء الواسع لكن أختها لم تمنح لها فرصة الأختلاء بنفسها بل جذبتها من ذراعها وهي تسنكر تجاهل نوال لها
عادت نوال الى أرض الواقع وضمت أختها مرة أخرى بين ذراعيها وهي تصرخ بفرح: ـ أهلا بعودتي بينكم

دون عنوان 2


دخلت نوال غرفتها بعد أن غادرت أختها وفتحت درج مكتبها وأخرجت ألبوم صورها فافترشت الأرض وبدأت تتصفح صورها فتارة تبكي وتارة تضحك وأخرى تحضن صورة وكأنها تود لو تولجها داخل قلبها
ظات نوال على حالها وقتا طويلا ولم تدرك أنها قد نامت وهي تسترجع ذكرياتها حتى أيقظها منبه الهاتف فانتفضت مفزوعة وأسرعت في تهيئ نفسها للخروج للعمل لكن صورة أمها المعلقة على الحائط ذكرها بموضوع الأمس فأرسلت تنهيدة عميقة لأن الوقت لم يسعفها لتطيل التفكير في الموضوع وشرعت في نحت ملامح يومها الجديد ،فرسمت على شفتيها ابتسامة دافئة وهي تحيي بواب العمارة ،فتعاقبت الساعات الواحدة تلو الأخرى وانتهت المسرحية وحان الوقت لمغادرة الخشبة والعودة الى أرض الواقع وتعود نوال الى أريكتها الخشبية لتحذف عليها جسمها النحيل ،أحست نوال بفراغ شديد وملئتها رغبة شديدة لسماع صوت امها فرفعت سماعة الهاتف رغم يقينها أن هذه المحاولة هي دون جدوى لكن هاهي أختها تجيب :ـ أهلا بالمتمردة هل قررت أخيرا
ـ من فضلك لا أريد الخوض في ثرثة أريدك فقط أن تعطي السماعة لأمي
ـ ماذا هل فقدت الذاكرة أنت الأخرى أنت ت...
ـ من فضلك قومي بفعل ما طلبت منك
ـ لا داعي للصراخ سأفعل فأنت دائما الأمرة هاهي معك
صمت رهيب حط رحاله لكن نوال سرعان ما تمالكت نفسها وأغمضت عينيها وبدأت حديثها وهي تتمثل وجود أمها
ـ حبيبتي أعرف أني قصرت في حقك ولم أكن نعم البنت خيبت أملك ولم أحقق حلمك وأدرك جيدا أنني أسقطتك من مخططاتي ومن مشاريعي وكنت أنانية دون أن أرغب في ذلك
أدرك جيدا أنك لا تفهمين ما أقول ولا تدركين حتى من أكون لكني أخاطب قلبك الذي حملني بين طياته أخاطب عقلك الباطن الذي مازال ينبض بذكرياتنا
أمي ، ماما كما أحببت دوما أن أناديك لا أستطيع أن أطاوع أختي وأسلمك الى أيادي غريبة فأنت لم تفعليها ونحن صغارا بل ضحيت بمستقبلك المهني من أجل تربيتنا ...
ـ نوال،نوال لقد نامت أمي وأنت تتحدثين
وضعت نوال السماعة دون أن تودع أختها وتاهت وسط أفكارها
تابع

دون عنوان 1

ارتمت نوال على أريكتها الخشبة بشدة وكأنها سقطت من أعلى التلة وألقت برأسها على كفها وأرسلت تنهيدة عميقة زفرتها بصوت مسموع وكأنها تحاول أن تطرد كل همومها دفعة واحدة تداعت يدها من ثقل رأسها فعدلت جلستها وألقت برأسها الى الخلف وأرسلت نظرها التائه الى السقف دون أن تحدد له اتجاها
فتسارعت أحداث حياتها أمامها وكأنها تشاهد فيلما دراميا وتمتمت في صمت أهي النهاية يا ترى؟ أهكذا تكون خاتمتي؟ ضحكت ضحكة سرعان ماانقلبت الى بكاء هستيري دام ما يقارب عشرين دقيقة لكنها انتفضت من مكانها ولعنت الشيطان في نفسها و ألقت سجادتها على الأرض ووقفت بين يدي الرحيم تشكيه همها وتحكيه ما فعلت الدنيا بها وهو العليم الخبير لم تع كم ركعة ركعت ولم تدرك كم من الوقت مر وهي بين يدي الجبار ولولا صوت جرس الباب الذي أعادها الى وعيها لظلت هائمة في تصوفها
اتجهت صوب الباب في خطى متثاقلة وكأنها تجر جبلا ورائها فتحت الباب ولم تكترث للقادم بل أدارت ظهرها واتجهت صوب أريكتها وألقت بنفسها بين أحضانها وكأنها تستجدي الحنان والعطف
ـأهكذا تستقبلين ضيوفك؟ ماذا بك لما أنت صامتة؟تكلمي فحالك لا يطمئن
ـ حالي وما أدراك بحالي ؟منذ متى وحالي يهمك؟أنت أختي نعم والدم الذي يسري في عروقنا واحد لكن أتعرفينني حق المعرفة؟ أأعرفك مثلما أعرف نفسي؟ لا أظن ذلك كل واحد منا يلبس قناعه الخاص به ولا يفصح عن هويته ولا عن حقيقته ها انت الأن تلبسين قناع المهتم لحالي والقلق على نفسيتي
اطمئني يا أختاها فما هذه الا كبوة أخرى من كبواتي العديدة وجروحي لا تلبث أن تلتئم فلا تشغلي بالك بي وافصحي عن سبب زيارتك
ـ أنت دائما تتكلمين كلاما غير مفهوم ولا أريد أن أجادلك في هرطقاتك ما جئت لأجله يتعلق بأمي فكما تعلمين أن المرض أصبح يلازمها وأنا لم أعد أستطيع المكوت معها طول الوقت لذلك وبما أن ظروفنا المالية لا تسمح بأن نوظف ممرضة لها أقترح أن نصحبها الى دار المسنين فهناك ستجد الرعاية وستلقى الصحبة وعلى هذه الورقة قد سجلت كل المعلومات الازمة
ـ أرى أنك قد تحريت عن الأمر وأخدت قرارك وما مجيئك سوى اخبار ليس الا